جلال الدين السيوطي
40
معترك الاقران في اعجاز القرآن
ذكر الحلم والرشد على الترتيب ؛ لأن الحلم يناسب العبادات ، والرشد يناسب الأموال . وقوله « 1 » : « أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ . . . » إلى قوله : « أَ فَلا يُبْصِرُونَ » . فأتى في الآية الأولى بيهد لهم ، وختمها ب « يسمعون » ؛ لأن الموعظة فيها مسموعة وهي أخبار القرون . وفي الثانية بيروا ، وختمها يبصرون لأنها مرئية . وقوله « 2 » : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » ؛ فإن اللطيف يناسب ما لا يدرك بالبصر ، والخبير يناسب ما يدركه . وقوله « 3 » : « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ » إلى قوله : « فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ » ، فإن في هذه الفاصلة التمكين التام المناسب لما قبلها . وقد بادر بعض الصحابة حين نزل أول الآية إلى ختمها بها قبل أن يسمع آخرها ؛ فأخرج ابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن زيد بن ثابت ؛ قال : أملى علىّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية : « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ » إلى قوله : خلقا آخر - قال معاذ بن جبل : فتبارك اللّه أحسن الخالقين ؛ فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له معاذ : ممّ ضحكت يا رسول اللّه ؟ قال : بها ختمت . وحكى أن أعرابيا سمع قارئا يقرأ « 4 » : « فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غفور « 5 » رحيم » . ولم يكن يقرأ القرآن ، فقال : إن هذا ليس بكلام اللّه ؛ لأن الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل ، لأنه إغراء عليه .
--> ( 1 ) السجدة : 26 ، 27 ( 2 ) الأنعام : 103 ( 3 ) المؤمنون : 12 - 14 ( 4 ) البقرة : 209 ( 5 ) صحة الآية : فاعلموا أن اللّه عزيز حكيم . البقرة 209